محمد أبو زهرة

1182

زهرة التفاسير

أن بينها وبينه أمدا بعيدا أي زمنا طويلا وقت أن تجد كل ما عملت محضرا من خير أو سوء . وهذا يؤدى إلى أن من عملت خيرا تود أمدا بعيدا ، مع من عملت سوءا ، مع أن رجاء الثواب يسوغ تمنى المسارعة لا تمنى التأجيل ؛ ولهذا لا نوافق عليه . والوجه الثاني : أنه متعلق بقوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بدليل قوله تعالى مكررا التحذير ، فقال : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ مرة أخرى ، ولكن يرد على هذا بعد القول ، ومجىء جملة مستقلة بينهما ، واختلاف القائل ؛ فالأول من قول اللّه تعالى والتحذير من اللّه ، والثاني من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم بأمر اللّه ولكن قد يرد هذا الاعتراض بأن قوله تعالى : قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ معترضة بين كلامين متلازمين للمسارعة بإثبات شمول علم اللّه تعالى وقدرته . التوجيه الثالث : أنه متعلق بمحذوف تقديره : اذكروا ، وهذا أسلمها في نظري . المبحث اللغوي الثاني - قوله تعالى : وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ أهي معطوفة على ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ أم « ما » مبتدأ خبره « تود » ؟ أظهر الأقوال أنها مبتدأ وجملة تود خبر ، والمعنى : ما عملت : ما عملت من خير تجده محضرا ، وما عملت من سوء تتمنى كل نفس أن يكون بينها وبينه أمد بعيد . المبحث الثالث - الأمد اسم للزمان كالأبد يتقاربان ، لكن الأبد كما قال الأصفهاني مدة من الزمان ليس لها حد محدود ، ولا يتقيد ، فلا يقال : أبد كذا ؛ أما الأمد فمدة لها حد مجهول ، إذا لم يضف إلى غاية معينة ، فإن أضيف كان محدودا بهذه الغاية . والمعنى أن النفس التي تجد عملها السيئ محضرا تود لو يتأخر أمدا بعيدا ، ولكن لا تحقيق لهذا التمني . ولقد كرر اللّه سبحانه التحذير من نفسه تذكيرا ، وليكون في بال المؤمن دائما ، ولبيان أن ذلك التحذير من دواعي الرحمة كما هو من تربية الرهبة ، فهو